بسم الله الرحمن الرحيم
واحدة من أبرز ملامح المناسبات الشعبية أنها ملتقى لجميع أبناء المجتمع على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم ، ولأنها كذلك فإن أي تغيير في الاحتفاء بها سينعكس أثره على الآخرين! وهنا تجدر الحاجة لاستحضار ملامح ذلك الأثر وقياس إيجابياته وسلبياته على المدى القصير والمتوسط والبعيد سواء على قيمة المناسبة عند الناس وضرورة الحفاظ على أصالتها عندهم أو على الناس أنفسهم وضمان تواصلهم معها من خلال صد المعوقات التي يمكن أن تحرمهم من التفاعل المطلوب معها .
( القرقيعان ) مناسبة شعبية بامتياز ، فقد نشأنا ونحن نحـتـفي بها وقد توزعنا الأدوار فيها ، فطفلنا يعرف دوره فيها ويُـقبل عليه باندفاع لافت، وكبيرنا أيضاً ! وهي في مجملها أدوار عفوية تخلو من التكلف! إذ يفتح الأهالي أبوابهم لاستقبال الأطفال الذين يُـنشدون أهازيج معروفة خاصة بالمناسبة ، ويكون من الأهالي إكرامهم بما أعدوه لهم من حلويات أو مأكولات خفيفة أو قروش معدنية أو غيرها .
نعم . . لأنها مناسبة شعبية وطقوسها متشابهة ؛ كان أن غابت عنها ملامح الطبقية ؛ فتكاليف الاحتفاء بها متقاربة! وهو ما اكسبها أصالة تـتوارثها الأجيال على اختلاف طبقاتهم ، واستحقت بامتياز أن تكون فرحة شعبية للأطفال جميعاً .
ولكن . . بـتـنا نرصد سلوكيات لبعض أفراد المجتمع نلمس خطرها على هذه المناسبة ؛ وخاصة باعتبارها مناسبة شعبية! فالبعض لم يعد يكتفي بالاحتفاء التقليدي بالمناسبة؛ بل عمد لابتكار برنامج خاص به دون مراعاة الآخرين وظروفهم ومدى إمكانية أن ينعكس سلباً تفعيل ذلك البرنامج الخاص عليهم وعلى المناسبة نفسها .
البعض صار يتسابق مع ذويه في إبراز أثر النعمة التي استقرت عنده من خلال تخصيص ( قرقيعان ) مستقل لأحد أبنائه الذي لا يتجاوز عمره أشهراً أحياناً ، وذلك بتحضير قرقيعان باسمه يحوي هدية باسم ابنه مرفقة بصورة له ! ويقوم لاحقاً بتوزيعها على أقاربه ومعارفه باعتبارها قرقيعانه ( مع العلم أن المفترض هو حصول الطفل على قرقيعان من الآخرين ؛ وليس أن يحصلوا منه على ذلك ! فضلاً عن أنه صغير جداً ولا يعي شيئاً حوله ).
خطورة هكذا برامج خاصة تحتفي بالمناسبة تكمن في التالي :
1- أنها تستهدف مناسبة شعبية كما أشرنا ؛ وأي تغيير في برنامجها وتفعيل ذلك التغيير مع الوقت سيؤثر على أصالتها ويفقدها عفويتها التي ضمنت لها الاستمرار طيلة السنين الماضية .
2- أن هذه البرامج الخاصة استدرجت الأهالي للتسابق المادي فيها ، وأصبح ملموساً للمتابع المدى الذي بلغه ويُرجح أن يبلغه مستقبلاً إذا لم يتم وقف تضخمه ! وخاصة أن البرامج الخاصة بطبيعتها تستجلب محاولة الابتكار والتميز .
3- أن هذه البرامج الخاصة تبرز الطبقية ؛ وهو ما يُؤثر على التفاعل الشعبي معها مستقبلاً ؛ وبتـنا نلمس تعاظم الشعور بالنقص عند ذوي الدخل المحدود أو مَن في حكمهم إذا ما عجزوا عن الوفاء بمتطلبات ذلك التسابق.
4- توقيت المناسبة يأتي في أكثر مواسم العام استهلاكاً للمدخرات المالية ؛ وهو ما يمس بشكل مباشر الالتزامات الأخرى للأهالي ( وخاصة ذوي الدخل المحدود )! فهو يأتي بعد أن استحوذت ( عزبة رمضان ) على نصيب مهم من تلك المدخرات ؛ وهناك التزام مالي قادم مهم جداً ( وهو عيد الفطر المبارك )؛ وهو ما يعني أن توقيت ( القرقيعان ) يتوسط التزامات ملحة ويلزم الاستعداد لها وضمان الوفاء بها ! وهو هاجس يجب أن لا يغيب عنا في رصد الاحتفاء بالمناسبة وأثره على ذوي الدخل المحدود حاضراً ومستقبلاً.
الخلاصة :
إنها دعوة صادقة لأن يستحضر أحدنا أهمية الحفاظ على المناسبات الشعبية وضمان تفاعل الجميع معها ؛ وعدم التسرع في ابتكار برامج خاصة يمكن أن تؤثر سلباً على قيمة المناسبة والتعاطي الشعبي العام معها مستقبلاً.
إن الحاجة ماسة لأن ندرس أي سلوك مبتكر ! وخاصة حين يمس مناسبة شعبية ( والتي تطال جميع أفراد المجتمع ) ! إذ إنه من غير المقبول التفرد بابتكار برامج خاصة وتفعيلها والإصرار عليها وترسيخ وجودها مع الزمن ؛ وبالتالي فرضها على الآخرين من خلال الإيحاء بأنهم شاذون عن غيرهم إذا لم يوفروا أسباب اللحاق بهم ومحاكاتهم.
-------------
إحداهن دخلت في مشادة كلامية مع زوجها ؛ والسبب في ذلك يكمن في رغبتها محاكاة قريـباتها وصديقاتها اللائي تـفـنـن في إبراز فرحتهن بأطفالهن الرضع من خلال تخصيص قرقيعان خاص بهم في الأعوام الماضية! قام الزوج بدراسة الأمر اقتصادياً ؛ واستوقفته التكاليف الأولية !
تكلفة التصوير لا تقل عن 300 ريال !
تكلفة الحلويات الخاصة بالمناسبة وتوابعها من تغليف . . غير معروف!
تكلفة البطاقات الرائعة للكتابة أوالطباعة عليها . . . غير معروف! . . . إلخ.
الزوج رفض المقترح ؛ وبرر ذلك ببعض ما أشرنا له من ملاحظات ! وأضاف أنه ليس من حق أحد أن يبتكر سلوكاً ويلزمه بمحاكاته والتسابق معه فيه! وإلا أصبح ( ناقصاً ) ومقصراً بحق أطفاله ؛ ما هذه المعادلة ؟!
-------------
هناك خشية حقيقية أن تـندثر الطريقة التقليدية ؛ وخاصة أن بوادر ذلك ظهرت لنا !
في هذه الأيام صار الكبير يترقب ( قرقيعان الياهل البزر الرضيع ) وليس العكس .
صار الواحد منا يترقب قرقيعان بنت أخته فلانه ، وكيف سيكون مقارنة بقرقيعان ابن أخيه فلان.
والساعة بخمسة جنيه ، والحسابة بتحسب ( على قولة عادل إمام )
-------------
أحسب هذا الموضوع والآراء التي رافـقـته برسم جميع أبناء المجتمع الآن ، وبخاصة الشخصيات ذات الكلمة المسموعة في المجتمع من علماء ووجهاء ورساليين .
ليست دعوة ذات مضمون اقتصادي فحسب؛ بل هي دعوة تـتجاوز ذلك إلى ضرورة الحفاظ على القيم الإنسانية الجميلة التي ترسخها هذه المناسبة الشعبية بين أفراد المجتمع ، والتي يمكن أن نخسرها فيما لو تركنا المادية الرأسمالية تـعـصـف بها دون ضابط كما عـصـفـت بالعديد من سلوكياتنا ومناسباتنا الشعبية والدينية ( على سبيل المثال . . بـتـنا نلمس الأثـر الذي أحدثـته الرأسمالية المادية في تعاطينا مع شعيرة الحج الأكبر ، والتي أثرت على روحية التعاطي مع تلك الفريضة التي ارتبطت بمحاربة الطبقية في التـنظير الشرعي لها ، وذلك بأن أصبحت بعض حملات الحج تقدم نفسها في ثوب الخمس نجوم مقارنة بغيرها في منافسة أكلت الكثير من الروحية ومحاربة الطبقية التي يفترض أنها إحدى رسائل هذه الشعيرة ).
الرأسمالية المادية ما أتـت على سلوك أو مناسبة إلا ونـزعت منها عفويتها الشعبية الإنسانية ، وألبستها ثوباً تجارياً جافاً يُـفرز الناس ويحرم بعضهم منها تدريجياً .
هناك خشية حقيقية أن تـندثر الطريقة التقليدية ؛ وخاصة أن بوادر ذلك ظهرت لنا !
في هذه الأيام صار الكبير يترقب ( قرقيعان الياهل البزر الرضيع ) وليس العكس .
صار الواحد منا يترقب قرقيعان بنت أخته فلانه ، وكيف سيكون مقارنة بقرقيعان ابن أخيه فلان.
والساعة بخمسة جنيه ، والحسابة بتحسب ( على قولة عادل إمام )
-------------
أحسب هذا الموضوع والآراء التي رافـقـته برسم جميع أبناء المجتمع الآن ، وبخاصة الشخصيات ذات الكلمة المسموعة في المجتمع من علماء ووجهاء ورساليين .
ليست دعوة ذات مضمون اقتصادي فحسب؛ بل هي دعوة تـتجاوز ذلك إلى ضرورة الحفاظ على القيم الإنسانية الجميلة التي ترسخها هذه المناسبة الشعبية بين أفراد المجتمع ، والتي يمكن أن نخسرها فيما لو تركنا المادية الرأسمالية تـعـصـف بها دون ضابط كما عـصـفـت بالعديد من سلوكياتنا ومناسباتنا الشعبية والدينية ( على سبيل المثال . . بـتـنا نلمس الأثـر الذي أحدثـته الرأسمالية المادية في تعاطينا مع شعيرة الحج الأكبر ، والتي أثرت على روحية التعاطي مع تلك الفريضة التي ارتبطت بمحاربة الطبقية في التـنظير الشرعي لها ، وذلك بأن أصبحت بعض حملات الحج تقدم نفسها في ثوب الخمس نجوم مقارنة بغيرها في منافسة أكلت الكثير من الروحية ومحاربة الطبقية التي يفترض أنها إحدى رسائل هذه الشعيرة ).
الرأسمالية المادية ما أتـت على سلوك أو مناسبة إلا ونـزعت منها عفويتها الشعبية الإنسانية ، وألبستها ثوباً تجارياً جافاً يُـفرز الناس ويحرم بعضهم منها تدريجياً .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق