يحار المرء أحياناً في حسم قرار إقدامه على أمر أو الإحجام عنه ، والسبب في ذلك يعود لوجود بعض المنقصات التي تـقـفز لمخيلته أثـناء دراسته لأبعاد ذلك القرار .
ولأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ، فإن قراراته وسلوكياته تبقى رهينة البيئة المحيطة التي يُراد للقرار أن يأخذ أثره فيها . فكلما فكر أحدنا بقرار معين ؛ انشغل بتـفحص وجوه الآخرين ؛ ليرصد انطباعاتهم المتوقعة ، والتي يغلب عليها الاختلاف إلى درجة التباين الشديد أحياناً ، وهو ما يزيد من صعوبة حسم اتخاذنا لذلك القرار.
أحدهم ذات مرة نقل لي موقفاً من نسج خياله ، ولكنه أراد أخذ بصري وبصيرتي إلى الشاهد منه.
يقول: لو أن أحد المؤمنين في يوم العيد ؛ أعد حزمة من المال من فـئة ( 10 ريالات )! وكلما خرج طفل من المسجد بعد صلاة العيد صافحه بحرارة وأهداه واحدة من تلك العشرات التي يحملها معه ، فأصبح مع الوقت كعبة للأطفال بشكل ملحوظ من فرط ما أحدثه سلوكه من فرحة بينهم وجذباً لأنظارهم .
ما هي انطباعات الأشخاص الآخرين الذين عايشوا وقائع الحدث ؟
هل تـتـفـق ؟
ربما بعضهم سيقول : ما أعظمه من محسن ، جزاه الله خيراً ! فقد شارك الأطفال فرحتهم بأفضل ما يكون لهم ؛ فقد أحيا شعيرة العيد على طريقته ، فبورك ماله وبوركت نيته .
وربما يقول بعضهم : ( اشدعوه . . ) كل هذا ريــاء ! ( صج مرائي غبي وحركته مكشوفة )
وربما يقول بعضهم : الرجل سفيه بامتياز ، وإلا كيف يوزع أمواله بعشوائية على كل الأطفال هكذا ؟ ( فقد وضع نفسه موضع السخرية بحسب تقديرهم ، وصاروا يرصدون خداع بعض الأطفال له ومعاودتهم للمرور به للحصول على مبالغ جديدة بدون أن يشعر بذلك ما دام منشغلاً بمصافحة كل طفل بحرارة وتسليمه المبلغ ، وربما اقتربوا لمد أيديهم له بأسلوب ساخر مع عبارات التـندر والتـنكيت لإضحاك الناس عليه .
وربما يقول بعضهم : . . . . . إلخ.
ثم استطرد معلقاً : لو كان هذا الرجل المؤمن استحضر كل تلك الانطباعات أو بعضها على الأقل قبل قيامه بهذا العمل ؛ لما تحمس له وكلّف نفسه كل ذلك الجهد والوقت والمال الذي أخذه منه .
فهمت الشاهد من الموقف الذي أراد استنطاقه لي ، وأن المرء منا لا يملك أن يُـرضي كل الناس لو رهن حسم قراراته لانطباعاتهم المتباينة حد التـناقض أحياناً ، وأنه لا يملك إلا أن يكون ذا مبادرة ذاتية ، وتلك المبادرة تحتاج مستوى متقدماً من الثقة بالنفس ، والتي بدونها لا يمكن للمرء أن يكون إيجابياً .
يقول حكيم العرب المتنبي :
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عـزيمة = فإن فساد الرأي أن تـتـرددا
ولذا نلمس الفروق الفردية بين الناس في التعاطي مع قراراتهم ، وكذا مواقف الناس منهم ، فكلما كان المرء متردداً ، ضعفت هيبته أمام الآخرين ، وكلما كان حاسماً لقراراته ؛ فلا يأخذ بمشورة أحد ولا ينظر بقيمة لانطباعاتهم ! خسر محبتهم وباء بسخطهم ونفروا منه واتهموه بالتعالي عليهم وعدم مراعاة تقديراتهم التي يزكونها في مقابل تقديراته .
كيف يمكن للمرء أن يزاوج بين الأمرين؟ فلا يكون سلبياً بلا إرادة ، فـيتأخر في اتخاذ قراراته بحجة عدم القدرة على تأمين رضا الآخرين الذين تـتباين انطباعاتهم عن القرار المراد اتخاذه ، ولا يكون منفعلاً ، فـيتخذ قراراته بإرادته الذاتية الكاملة دون النظر في تقديرات الآخرين الذين يشاركونه حياته وتؤثر تقديراتهم في مدى رضاه عن قراره وسعادته بتفعيله .
هل يواجه أحدنا حيرة من هذا القبيل ؟
إحداهن تريد شراء فستان لزفاف أحد أقاربها مثلاً ، نجدها وقد انشغلت بتأمين رضا الآخرين عن قرارها !
لماذا ؟
لأن انطباعهم الشخصي يؤثر في مدى رضاها عن قرارها !
فلو كانوا يرون ( وهم أهلها وعصبتها ) أن الفستان غير مناسب لأي سبب كان ، فما قيمة ارتدائها له ما دام سيجلب عليها عدداً من الملاحظات التي تعكر صفو فرحتها بالمناسبة وتشغلها عنها .
قرار ارتداء الفستان كما يفترض شخصي جداً ، ولكن أمر حسمه في أحيان كثيرة لا يخضع لتقدير المرأة التي ستلبسه وحدها ، بل قيمته تظهر في مدى قبول الناظرين له ، وهم أهل المرأة وجمهور الحفل ، فهي تريد ارتداء فستان يعطي انطباعات إيجابية عند الآخرين ، وإلا فإن عليها أن تلبسه لنفسها فقط ، وهذا الخيار مستبعد طبعاً .
الإنسان كائن اجتماعي ، ويحار كيف يحسم قراراته الشخصية أحياناً دون أن يتجاوز حدود الآخرين ، ( والحرية كما يعرفونها بأنها تنتهي عندما تبدأ حريات الآخرين )! فما بال حريات الآخرين لا تنتهي عندما تبدأ حرياتنا ، بل الواقع أن الإنسان لا يجد موضع قدم له خاص به وحده ، بل كلما اطمئن إلى بقعة يستريح فيها وحده ، حتى يأتيه من يشاركه فيها ويُطالبه بحصة في كل قرار يتخذه فيها.
وفي المقابل ؛؛؛
كون الإنسان كائناً اجتماعياً ؛ نجده وبفطرته يُـفضل الجنة الموعودة وقد شاركه فيها أحباؤه ، فقد قال أحدهم : ( الجنة بدون ناس ما تـنداس )، ربما لأنه أصبح مطمئناً لأن قرارات الأفراد في الجنة لا يحصل فيها التعارض والتباين ، بل كل الأحداث فيها مجبولة على رضاهم أجمعين ، وبالتالي لا ضرر من ازدحامها بالآخرين ومشاركتهم له في نعيمها ، بل كثرتهم ربما تعني في تقديره تعاظم السعادة من أثر ما يحدثه كل رابح بها من بهجة في نفوس رفاقه فيها ومسامرته لهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق